ابن رشد
43
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
الموحدية مشروع ابن حزم ولنبدأ بأطروحات مؤسس الحركة التي أقامتها : اطروحات ابن تومرت المنهجية . لعل أهم أثر فكري يحتفظ لنا بمنهجية ابن تومرت هو " كتاب أعز ما يطلب " ( نشره غولدزيهر بالجزائر عام 1903 ) الذي جمع فيه خليفته عبد المؤمن بن علي ، المؤسس الفعلي للدولة الموحدية ، الأحاديث والتعليقات التي تشكل ما يمكن اعتباره الأساس النظري والإطار الإيديولوجي العام لدعوة ابن تومرت الإصلاحية . والحق أن هذا الكتاب أشبه ما يكون بمقال جديد في منهجية التفكير والبحث في شؤون العقيدة والشريعة . إن المبدأ الابيستيمولوجي الذي يقود خطاب ابن تومرت في هذا الكتاب هو مبدأ " الثالث المرفوع " وبعبارته المفضلة : " لا وسط بين النفي والإثبات " . إننا في هذا الكتاب أمام رفض صارم لتلك " القيمة الثالثة " التي كان ينشدها بإلحاح التفكير الكلامي والفلسفي والفقهي العربي من وراء اعتماد قياس الغائب على الشاهد في إنتاج المعرفة . « 40 » ينتقد ابن تومرت قياس الغائب على الشاهد في مختلف المجالات التي يوظف فيها داخل الثقافة العربية ، مجالات الفقه والكلام واللغة ، متخذا من نقده هذا أساسا ابيستيمولوجيا لنقده الإيديولوجي الذي استهدف مباشرة فقهاء المرابطين وسلطتهم . ففي مجال الفقه يرى ابن تومرت أن الحكم الشرعي لا يثبت بالقياس لأنه طريقة في التفكير لا تفيد اليقين وإنما تحرك الظن والشك لا غير . إن الذي يثبت الحكم الشرعي في نظره هو الأصل ، والأصل وحده . ومن هنا كانت دعوته إلى الرجوع إلى الأصول . يقول : " لا يثبت حكم في الشريعة بالظن ، ولا يثبت إلا بالعلم . والتماس المعاني بالتخمين من غير تحقيق ولا التفات إلى الأصول التي تبنى عليها يزل عن منهاج الحق " . « 41 » وإذا كان الفقهاء يلتمسون معرفتهم الظنية تلك عن طريق قياس الغائب على الشاهد الذي يعتمدون فيه على ما يسمونه " العلة " ، فإن ابن تومرت يرى أن هذه " العلة " ليست علة على الحقيقة وإنما هي مجرد " أمارة " وعلامة يثبت عندها الحكم ولا يثبت بها . يقول : " الأصل يثبت به الحكم ، والأمارة يثبت عندها الحكم . وبين يثبت به ويثبت عنده ما بين السماء والأرض " . « 42 » وغني عن البيان القول إن نقد العلة الفقهية بهذا الشكل ينسف القياس الفقهي تماما .
--> ( 40 ) م . ع الجابري . نحن والتراث . المركز الثقافي العربي . الدار البيضاء . 1985 . ص 257 . ( 41 ) ابن تومرت . أعز ما يطلب . نشره جولد زيهر . الجزائر . 1903 . ص 8 . ( 42 ) نفس المرجع . ص 25 .